الذهبي

643

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )

عد إلينا يا أبا المظفّر ، فانتبهت ، وعلمتُ أنّه يريد مذهب الشّافعيّ ، فرجعتُ إلى مذهب الشّافعيّ . وقال الحسين بن أحمد الحاجيّ : خرجتُ مع الإمام أبي المظفّر إلى الحجّ ، فكلّما دخلنا بلدةً نزل على الصُّوفيّة ، وطلب الحديث من المشيخة ، ولم يزل يقول في دعائه : اللّهمّ بيّن لي الحقّ من الباطل ، فلمّا دخلنا مكّة ، نزل على أحمد بن عليّ بن أسد ، ودخل في صُحْبة سعْد الزَّنْجانيّ ، ولم يزل معه حتّى صار ببركته من أصحاب الحديث ، فخرجنا من مكّة ، وتركنا الكُلّ ، واشتغل هو بالحديث . قرأتُ بخطّ أبي جعفر الهِمَذَانيّ الحافظ قال : سمعت أبا المظفر السمعاني يقول : كنت في الطّواف ، فوصلتُ إلى الملتَزَم ، وإذا برجلٍ قد أخذ بطرفِ ردائي ، فالتفتُّ ، فإذا أنا بالإمام سعْد الزَّنْجانيّ ، فتبسّمت إليه ، فقال : أما ترى أين أنت ؟ هذا مقام الأنبياء والأولياء ، ثمّ رفعَ طرْفه إلى السّماء وقال : اللّهمّ كما أوصلته إلى أعزّ المكان ، فأعطه أشرف عزٍّ في كلّ مكان وزمان ، ثمّ ضحك إليَّ ، وقال لي : لا تخالفني في سِرّك ، وارفع معي يدك إلى ربِّك ، ولا تقولنّ البتّة شيئًا ، واجمع لي همّتك ، حتّى أدعو لك ، وأَمِّن أنتَ ، ولا تخالفني عهَدَك القديم . فبكيتُ ، ورفعتُ معه يدي ، وحرَّك شفتيه ، وأمَّنت ، ثمّ قال : مُرْ في حفْظ الله ، فقد أُجِيب فيك صالح دُعاء الأُمّة . فمضيت من عنده ، وما شيءٌ في الدّنيا أبغض إليَّ من مذهب المخالفين . قرأتُ بخطّ أبي جعفر أيضًا : سمعتُ الإمام أوحد عصره في علمه أبا المعالي الْجُوَيْنيّ يقول : لو كان الفقه ثوباً طاوياً لكان أبو المظفّر ابن السّمعانيّ طِرَازَه . وقرأتُ بخطّه : سمعتُ الإمام أبا عليّ بن أبي القاسم الصّفّار يقول : إذا ناظرتُ أبا المظفّر السّمعانيّ ، فكأنّي أُناظِرُ رجلًا من أئمةّ التّابعين ، ممّا أرى عليه من آثار الصّالحين سمتاً ، وحشمةً ، ودينًا . سمعتُ أبا الوفاء عبد الله بن محمد الدُّشّتيّ المقرئ يقول : سمعتُ والدك أبا بكر محمد بن منصور السِّمعانيّ يقول : سمعتُ أبي يقول : ما حفظتُ شيئًا فنسيته .